ابن خلدون

208

تاريخ ابن خلدون

هلاكهم وحدهم دون الكافة فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى ومنع من سل السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة ولو أدى إلى هلاكه وهذا علي أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته وتتفق الكلمة وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الاسلام وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنه ليس من الحق والنصيحة وأن الحق فيما رأيته أنت فقال علي لا والله بل أعلم أنك نصحتني بالأمس وغششتني اليوم ولكن منعني مما أشرت به زائد الحق وهكذا كانت أحوالهم في إصلاح دينهم بفساد دنياهم ونحن نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فقد رأيت كيف صار الامر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية وسيفا وهكذا كان الامر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الامر ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ وهكذا كان الامر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم وبقي الامر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شئ وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيديين ومغراوة وبني يفرن أيضا مع خلفاء بني أمية بالأندلس والعبيديين بالقيروان فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة والله